لا أفهمك: ضائع في الترجمة

ضياع

يحكى أن رجلًا عربيًا فصيحًا نوى السفر من مكة إلى بغداد ليزور أحد أقاربه، و قد خُيِّر بين السفر لوحده أو مع قافلة الحج العائدة أو مع قافلة التجارة المسافرة، وكان من سوء حظه أنه قد اختار السفر لوحده، فلما جاء صباح سفره توجه إلى السوق واشترى ثوبًا جديدًا، وصاع بُر، وصاع تمر، ومُدّ أرز، وقربتي ماء، ثم امتطى راحلته، وودّع أهله، وتوكل على ربه، ومضى في طريقه.

مرّت الشهور، دون أن يعود الرجل إلى أهله أو يصلهم خبر منه، أو عنه. في إحدى الأيام قرر أكبر أبنائه السفر ليستقصي أخباره، كان يخشى أن يكون أباه قد واجه مشكلة في بغداد، مشكلة تزج به في زنزانة، مشكلة تطرده إلى بلد أخرى، أو يطير بها رأسه. في صباح سفره توجه الابن إلى السوق، واشترى منه ثوبًا جديدًا، صاع بر، صاع تمر، مد أرز، وقربتي ماء. امتطى راحلته، ودع أهله، توكل على ربه، ومضى في طريقه.

وفي الصباح التالي عاد الرجل إلى بيته ليجد ابنه غائبًا، وعندما علم أنّه سافر بحثًا عنه قام بشد رحاله مرة أخرى ثم امتطى راحلته ورجع في دربه، ليعود الابن ويتكرر الأمر مرّةً أخرى. يروى -والعهدة على الراوي- أنهما قضيا باقي عمريهما في هذه الدائرة، كيانان كل منهما يبحث عن الآخر دون أن يلتقيا أبدًا.

كعك وكيك

في حياة أخرى كنت أُقلِّبُ عينيّ عندما أسمع خطيبًا يخطب عن عظمة اللغة العربية وفرادتها عن بقية اللغات. كنت أقول أننا لو استثنينا أهمية اللغة العربية لفهم القرآن الكريم لما وجدنا شيئًا يميزها عن بقية اللغات، أو دافعًا نحو تقديسها والحفاظ عليها. كنت أقول أن اللغات طرق تواصل، وأنك ما دمت تفهم مبتغاي فلا فرق بين عربية أو أعجمية.

ثم كبرت قليلًا، ولاحظت أنني استخدم مصطلحات مثل “أُقلِّبُ عينيّ”، وهو ترجمة للمصطلح الإنجليزي “Roll my eyes”. ثم لاحظت أن لا أحد ممّن حولي يُقلِّبُ عينيه أصلًا، ناهيك عن استخدامهم للمصطلح كتعبير عن الحنق أو الانزعاج، ثم لاحظت استخدامي لمصطلحات مثل “في حياة أخرى”، وهي التي لا تنسجم مع الدين قبل العرف.

ثم لاحظت أنني أُعدِّدُ بالطريقة الإنجليزية، بفاصلة بين كل معدود ومعدود، حيث لا استخدم الواو إلا قبل المعدود الأخير، لم يكتفِ التغيير على التفضيل الشخصي فقط، بل أصبحت لا استسيغ طريقة التعداد العربية، وأراها ثقيلة على اللسان. هل لاحظت الفرق بين تعداد الأب لما اشتراه وتعداد الابن في قصة الضياع؟

وعندما لاحظت أنني أصبحت أشير للمواقف السهلة على أنها “قطعة كيك”، استوعبت أن هذه التغييرات ليست بالأمر البسيط، كوني أكتب مصطلحات إنجليزيّة باللغة العربية دون وعي، يعني أن التغيير لم يقتصر على مخزوني اللغويّ فقط، بل طال طريقة تفكيري أيضًا.

هل تفهمني؟

في علم اللغويات، تقول نظرية النسبية اللغوية أن طبيعة اللغة وتراكيبها تساهم في خلق الطريقة التي ينظر بها صاحبها إلى العالم، تحوي اللغة اليابانية على سبيل المثال عددًا من اللواحق المستعملة لتعزيز الاحترام، مثل “سان” أو “كون”، وعدم استخدام هذه اللواحق -أو استخدامها بنحوٍ خاطئ- يعتبر أمرًا معيبًا ومهينًا.

يقول المنطق أن هذه اللواحق ظهرت وثبتت في اللغة اليابانية لأن الثقافة اليابانية تقدس الاحترام، فمن الطبيعي أن تتبع اللغة الثقافة، إلا أن نظرية النسبية اللغوية تقول بأن اللغة نفسها تساهم في تعزيز الثقافة، ولو أن شخصًا تعلم اللغة اليابانية منذ ولادته، فاحتمال وراثته لهذا الاحترام أكبر.

من الأمثلة الأوضح علاقة الأميركيين الأصليين بالوقت، في لغتهم الكلمات الزمنية مثل “يوم” ليست أسماءً، بل أفعال، ولأن الفعل لا يثنى ولا يجمع، تصبح عملية قياس الزمن عندهم أصعب، كذلك لا توجد في لغتهم صيغٌ زمنيّةٌ تشير إلى المستقبل والماضي مثل بقية اللغات.

يجادل بعض اللغويين قائلين بأنّ هذا الاختلاف ينعكس على منظور الأميركيين الأصليين للزمن، وأن صعوبة قياس الزمن وصعوبة الإشارة إلى الماضي والمستقبل تجبرهم على عيش اللحظة الحالية، حامية إياهم من الهوس بالمستقبل أو الحنين إلى الماضي.

النظرية محل جدال كبير بين اللغويين، جدال يتحول عادة إلى معضلة البيضة والدجاجة، حيث يقول بعض العلماء أن اللغة تؤثر في الثقافة و ترسم حدودها، بينما يقول آخرون أن العكس صحيح، حيث تحدد الثقافة حدود اللغة وملامحها، لكن في كلا الحالتين، للغة ارتباط وثيق بالثقافة وطريقة التفكير، فالتّعمق في تفاصيلها يفيدك سواءً كنت تراها سببًا في تغيير التفكير أم مجرد مؤشر على تغييره.

الدراسات التي تستخدم هذه النظرية للربط بين الثقافة العربية ولغتها نادرة ومختصرة مع الأسف. لكن من باب الاجتهاد، لنأخذ مثال تقليب العينين في الأعلى، لماذا لا يوجد هذا التعبير أو ما يشابهه في اللغة العربية؟

الثقافة العربية بطبعها ثقافة مباشرة، وهذا لا يعني أن العرب يقولون ما في بالهم دائمًا دون تفكير، أو أنهم لا يستعملون الكناية أو المجاز. إلا أن “تقليب العينين” حركة مهينة و جبانة لحد ما، يُظهِرُ فيها الشخص عدم موافقته واستهانته بفكرة ما، دون الإعلان عن هذا الرفض بوضوح.

ينطبق هذا أيضًا على تعبيري “حياة أخرى” و”بدء حياة جديدة”. النظر إلى فترة ماضية من حياتك وتطليق نفسك منها بهذه الطريقة ينافي العادة العربية في التمسك بالماضي. لا تكاد قصيدة عربية قديمة تبدأ بشيء غير البكاء على الأطلال. لا يستطيع العرب النظر إلى أنفسهم دون النظر إلى ماضيهم، فكيف لهم أن ينفصلوا عنه بهذه السهولة؟

لكن، لو قرر أحدنا السفر بالزمن 1400 سنة إلى الوراء، لوجد أنه أقرب لعجم اليوم أكثر من قربه لعرب الأمس، لكن هل نحتاج فعلًا إلى العودة كل هذا الوقت لنشعر بالانفصال؟



التغيير، لا محالة

مع كل الفخر الذي يصاحب اللغة العربية ينسى الكثير أنها لم تكن لغة موجودة منذ الأزل، بل أنها ولدت من رحم لغات أخرى. فأصول اللغة العربية قد نسبت إلى عدد من اللغات القديمة، مثل الآرامية -التدمرية- والحميرية والعدنانية والثمودية واللحيانية والصفوية.

نقصد بهذا اللغة العربية الأصيلة، تلك التي تكلم بها البدو قبل ظهور الإسلام ودخول العجم فيه. فبعد أن اختلطت الأعراق والألسن مرّت العربية بمرحلة ثانية استوجبت تكوين القواعد النحويّة ثم مرّت بفترة ثالثة تبعت الفتوحات الإسلامية ودخول مصطلحات جديدة عبر مجهودات الترجمة من اللغات الأخرى، ومرّت بمراحل أخرى حتى وصلت إلينا الآن بنمطها الحالي، العربية الفصحى المعاصرة.

هذا التغيير، هو سنة الله في أرضه. يولد أشخاص ويموت غيرهم، تنهض أمم وتسقط أخرى، تنبثق لغات وتندثر ألسن. لا توجد لغة تستطيع تحمل أعباء السنين، بغض النظر عن فخر أهلها بها، أو حتى انعزالهم عن بقية الشعوب. فاللغة تتغير جيليًا أيضًا، يعيش الأبناء في زمن غير زمن آبائهم، ويرون أشياء لم يرها من سبقهم، فيجدون طرائق جديدة للتعبير عنها.

إلا أن هذا التغيير في اللغة العربية، بالرغم من حتميته، كان تغييرًا طفيفًا في تأثيره على الثقافة. نعم، تغير البناء ودخلت ألفاظ واندثرت أخرى، إلا أن اللغة العربية احتفظت بنواتها سالمة. لو عاد عربي من بدايات القرن العشرين إلى عصر صدر الإسلام، لربما واجه مشكلة في اللغة بألفاظها وقواعدها، إلا أن طباعه ستشابه طباع أجداده غالبًا. تغيرت أجزاء من اللغة، لكن بقي الشرف، والكرم، والشهامة، والعائلة. بقيت ثوابت لغوية بقدر أهميتها الثقافية.

ثم جاء القرن العشرين، فهبت رياح التغيير، وتغيرت موازين القوى، وبدأ الكوكب رحلته التقلّصيّة من كون لا حدود له إلى قرية صغيرة، و أصبح العربي، من فرط ضعفه وقلة حيلته؛ لا يستطيع أن يتعلم أو يرفه عن نفسه دون الاصطدام بالمحتوى الغربي، وأصبح التعريب لا يقتصر على النباتات الغريبة ووحدات القياس الجديدة، بل استمر إلى تعريب الأفكار والمشاعر أيضًا، فأصبحنا نقلب أعيننا، نقطع كعكنا، ونعيش حيوات أخرى لا نحتاج فيها للتعداد بحرف الواو.

ويبقى السؤال، ما المشكلة في هذا؟

القصائد لا تترجم، و كل إنسان قصيدة

في أواخر العام الماضي، أطلقت شركة Snickers جزءًا جديدًا من حملتها التسويقية المشهورة “إنتا مش إنتا وإنتا جوعان”، هذا الجزء تضمن تغيير أغلفة منتجاتها لتعرض كلمات تمثّل الصفات المعروضة في كثير من إعلاناتها المرئية، الصفات التي تميزنا عندما نشعر بالجوع.

من ضمن الكلمات التي زينت الأغلفة كانت “مضيّع”، و”متنّح”، “مقفّل”، و”مهوّي”، إلا أن ردة الفعل على هذه الحملة لم تكن بنفس الدفء والمرح الذي صاحب الحملة المرئية. خلال الأشهر التي تلت عبّر الكثير من الأشخاص عن استيائهم من هذه الحملة، وظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي وسوم تطالب بمقاطعة منتجات الشركة.

بنظرة سريعة على صفوف المحتجين، رأيت شخصيًا أن غالبيتهم من الجيل السابق، آباء وأمهات يحتجون باسم أطفالهم، رجال ونساء يتهمون الحملة بخدش الذوق العام، وعلى هوامش هذه الاحتجاجات، تستطيع أن ترى فئات أخرى تهز رأسها بحيرة، لا تدري أين المشكلة بالضبط. نظرة سريعة على هذه الفئة المضادّة بيّنت لي أن غالبيتهم من أبناء الجيل الحالي، شباب وشابات لا يرون ضيرًا في استخدام هذه الألفاظ، و هم الذين لا يعرفون أسماءً لأصدقائهم غيرها.

هذا الاختلاف الجيلي الحاد هو ما نخشاه، أن يقف الآباء والأبناء جنبًا إلى جنب، وينظروا إلى صورة واحدة، فيرون شيئين مختلفين تمامًا. في جيلنا نحن الشباب، لا توجد سمة أكثر خطرًا علينا من تندُّرِنا على طبائع الجيل السابق، هذه السمة التي كانت عيبًا قبل عدة سنوات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أي نقاش جيلي على مواقع التواصل.

كل عادات من سبقونا، كل تصرفاتهم ومشاعرهم تبدو غريبة وفارغة لنا. الأشياء التي أغضبتهم لحد القتال، كالشتم مثلًا، لا تبدو شيئًا لنا نحن أبناء المنتديات وصفحات الدردشة. وطريقة تعبيرهم عن الفرح بالعزائم والاجتماعات تبدو لنا متكلفة وكئيبة. وطريقة تهنئتهم وتعزيتهم بالعبارات المجهزة سابقًا تبدو متصنعة وغير صادقة.

هنا يأتي دور حفظ اللغة، في القصص المكتوبة والمرئية، في مصادر التعليم الرسمية وغير الرسمية.

نحن أبناء هذا الجيل قضية خاسرة، ربما لأننا سمعنا تعبير “قضية خاسرة” مئات المرات في المسلسلات والأفلام فأصبحنا نستخدمه دون وعي. لا توجد طريقة لعكس هذا التأثير. لا يوجد مستقبل يتوقف فيه أبناء جيلنا عن استخدام كلمات مثل “أوكيه” أو “بزنس”. لا يوجد مستقبل نفضل فيه الجلوس في عزيمة ضخمة على الخروج لمقهى مع عدد صغير من أصدقائنا، إلا أننا لا نحتاج لعكس هذا الانفصال، بل لا نستطيع عكسه أصلًا. في نهاية المطاف، عيشنا في زمن غير زمن آبائنا يعني أننا سنعيش حياةً تختلف عن حياتهم. ما نحتاجه فعلاً هو أن نحد من تأثير هذا الانفصال على علاقتنا مع جذورنا.

لأن المستقبل الذي يجب أن نخشاه هو ذلك الذي لا نفهم فيه آباءنا، ولا هم يفهموننا أيضًا. مستقبل يجعلنا نرى حبهم قمعًا، و قلقهم تآمرًا، وحزنهم حقدًا، العواقب العملية لانفصالنا عن اللغة ليست بتلك الوخامة، كل لفظ معقد قابلٌ للتّرجمة. إلا أننا، وللأسف، لا نستطيع ترجمة البشر.



اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مراجعة: مُلحقات "بيل روي" الجلدية، مصنوعة بعناية لمن يعشقون العملية