تشكل الرياضة جزءًا مهمًا في حياة كثيرٍ منّا. يوقف البعض جميع مهام عمله في حال كانت هناك مباراة لفريقه المفضل. وهناك من يقرن مزاجه بنتيجة مباراة البارحة. وهناك أيضًا من لا يعيرها أي اهتمام ولا يرى أيّ جدوى من مشاهدة الرياضة ومتابعة أخبارها وتقصّي حقائقها. ولكن ما نتفق عليه جميعًا، هو أنها إحدى محركات الاقتصاد وأهم المجالات الربحيّة في كثير من البلدان.

شهدنا في السنوات الماضية زيادة في انتشار بعض الرياضات التي لم يكن لها أي ذكر أو صيت في مجتمعاتنا من قبل. فجأة، أصبح صغار الناس قبل كبارهم مهتمين بنتيجة مباراة ملاكمة عالمية! وغدى بعضهم يجادل ويحلل مجريات كرة السلة الأميركية في تويتر، وهناك من يتابع رياضة ناسكار (NASCAR) بصمت ويعتبرها ملاذًا يلجأ إليه على انفراد دون إزعاج الجدالات وصريخ النقاشات والمقارنات.

أخذني فضولي في أحد الأيام إلى البحث عن عوائد الرياضات العالمية وأرباحها، وتمحيص قوائمها المالية ومقارنتها بالرياضة الأكثر شعبية لدينا، كرة القدم. وجدت أن أكثر الدوريات العالمية دخلًا هو دوري لكرة قدم، ولكن كرة قدم ليست مثل كرتنا.

كرة قدم مختلفة تمامًا، تشترك مع التي نعرفها بالاسم فقط. كرة تُلعب بالأيدي، ويقوم لاعبوها بالتداخل وضرب بعضهم البعض، ولا وجود لبطاقات ملونة من الحكم. وغالبية لاعبيها من دولة واحدة فقط. إنها كرة القدم الأميركية.

يعد الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (National Football League) أكثر الدوريات العالمية دخلًا، لدرجة أن دخل هذا الدوري في عام 2016، يقارب دخل دوريات أوربا الخمس الكبرى  في ذات السنة. فعندما نجمع عوائد الدوري الإنجليزي والإيطالي والألماني والإسباني والفرنسي؛ والعوائد هنا شاملة قيمة النقل التلفزيوني وعقود الرعاية وتذاكر الحضور، سيصبح المجموع بالكاد يتخطى دخل دوري كرة القدم الأميركية وحده. رياضة واحدة، لا يعرف لها سوى الأميركان، يلعب الفريق الواحد فيها أقل من 20 مباراة في الموسم، يتفوق دخلها على أشهر الدوريات لأشهر رياضة في العالم. الخلل طبعًا ليس في كرة القدم بالشكل الذي نعرفه، بل يجب أن نتساءل عمّا قامت به منظمة كرة القدم الأميركية لجعل هذا الدوري يحقق كل هذه الأرقام المهولة؟

بدايةً، علينا توضيح بعض الأمور البسيطة. الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية يدار من قبل منظمة تحمل ذات الاسم، فمنظمة كرة القدم الأميركية هي الجهة المعنية بتنظيم الدوري الأميركي لكرة القدم. ولطول اسمها سنشير لها فيما تبقى من النص بـ “المنظمة” يقوم رئيس المنظمة بتوقيع الاتفاقيات مع الكثير من الأطراف، مثل القنوات التلفزيّة وملّاك الأندية وهيئة اللاعبين المحترفين. والهدف من كل ذلك هو زيادة أرباح الدوري والاتفاق على الأنظمة وطريقة تقسيم الدخل بين الأندية والمنظمة.

عندما يعلن الجيش

عندما ترى مقطعًا ترويجيًا للقوات البحريّة الأميركية ومدى تطور عتادها في الملعب، تعرف أن  الأميركان تفوقوا في مجال استغلال رياضة كرة القدم الأميركية تسويقيًا، وتحويل كل ثانية فيها إلى مصدر دخل مادّي. فتراهم يستغلون الأوقات المستقطعة أثناء المباراة بعرض الإعلانات للمشاهدين، وشاشات مخصصة للإعلان للجمهور بالملعب. وعرض دعائي في الملعب أثناء استراحة ما بين الشوطين، وراعٍ خاص يقوم بأخذ اسم الاستديو التحليلي ليصبح “Pepsi Halftime Report”.

نعم، الجميع يريد عرض منتجاته والترويج لاسمه وخدماته في هذه اللعبة ذات المشاهدات المهولة. فقد بلغت مشاهدات الفواصل الإعلانية أوجًا حتى أن لدرجة أن الجيش الأمريكي ذاته، أصبح ممن يزاحمون الشركات على هذه الثواني الترويجية، لكي يتم تكريم بعض الأبطال القوميين في المباريات.

لم يركز الأميركان على من هم خلف الشاشة في منازلهم فقط، فدائمًا جمهور الملعب على أهب الاستعداد لدفع المزيد من المال للحصول على تجربة فريدة. قاموا بتوفير متاجر خاصة بالأندية في الملاعب، وأماكن لتناول الطعام والمشروبات، والجلسات المكيّفة وشاشات التلفاز، وغيرها الكثير. وقاموا أيضًا بصنع عادات خاصة لكل من يذهب لحضور المباريات، فمن النادر أن ترى شخصًا لا يحمل بيده شطيرة نقانق، في فترة من فترات المباراة. علاوةً على ذلك فنّهم في إدارة الجمهور وجعله جزءًا من المباراة.

فترى الشاشات تتزين بعبارات تطلب من الجمهور التفاعل، وترى الفرق توزع القمصان والقسائم على الجمهور. بل وأنهم قاموا بتحويل أحد مدرجات ملعب في فلوريدا إلى حمام سباحة، بعد أن اشتكى الجمهور من حرارة الشمس على ذلك المدرج. كل هذا من أجل خلق تجربة الحضور الفريدة، والحرص على عودة الحضور، وبيع جميع المقاعد.

يعدّ نهائي البطولة السنوي الشهير (Super Bowl)، أهم وأشهر حدث إعلاني سنوي. فالمنظمة تقوم بتخصيص أسبوعين كاملين للتسويق والترويج لهذا النهائي المترّقب. تجد قنوات من شتّى بقاع العالم متواجدة بمراسليها ومحلليها على أرض الحدث مستعدين. كل ذلك لرفع سقف الحماس والترقب كل سنة. وهذا بالطبع يعني رفع قيمة الدقائق الإعلانية أيضًا، لأن هذا هو المهم وهذه هي طريقتهم لكسب المال. وتماشيًا مع حدّة المباراة على أرض الملعب، هناك مباريات أخرى بنفس الحدّة وأكثر بين الشركات المعلنة. فالجميع يريد ترويج أو تقديم منتجه الثوري الجديد بالطريقة الأكثر إبداعًا. وهناك جوائز ورهانات سنوية على هذه الإعلانات، لتخمين من المنتصر في حلبة التلفاز الرمادية. وطبعًا نصيب الأسد من كل هذه الإعلانات يذهب للمنظمة وفرق الدوري. ففي النهائي الذي أقيم في فبراير 2017، وصلت تكلفة 30 ثانية من الإعلانات وقت المباراة إلى ما يقدّر بأكثر من 5,000,000 دولار.

حقوق النقل التلفزيّ

يتسابق الأميركان لتوثيق أحداثهم، فلا يكاد يخطر ببالك حدث إلّا وقاموا بتوثيقه، حتى أن أول مباراة كرة قدم أميركية نقلت على التلفاز في عام 1939! كانت تلك المباراة بين فريقين من فرق الجامعات، والتي تنافس دوري كرة القدم الأميركية للمحترفين من ناحية الشعبية عند الأميركان.

ولطالما تعارضت مباريات دوري الجامعات مع أوقات مباريات دوري المحترفين. مما أثر على عدد الحضور في الملاعب ومشاهدين اللقاءات لكلا الدوريين. أحد أسباب ذلك أن كل فريق كان يفاوض قنوات التلفاز على بيع حقوق نقل مبارياته على انفراد مما سبب الكثير من التعارض في الأوقات.



وهنا قررت الحكومة الأميركية وليس المنظمة، التدخل لحل مشكلة تعارض أوقات المباريات مع الجامعات، ومشكلة حقوق النقل التلفزيّة. ففي عام 1961، شرّع الكونجرس نظام جديد يحل هذه المسألة. فأصبحت الحقوق تباع للدوري كاملًا مرة واحدة عوضًا عن بيعه لكل فريق على انفراد، وتم منع إقامة مباريات دوري كرة القدم الأميركية يوم الجمعة أو صباح يوم السبت حتى لا تتعارض مع مباريات الجامعات والمدارس. وقدّموا أيضًا نظام (Blackout) لحماية دخل الرياضة، والذي يمنع عرض المباريات على التلفاز في قُطر 120 كيلومتر من الملعب ما لم يتم بيع جميع التذاكر قبل المباراة بثلاثة أيام. بذلك يتم ضمان امتلاء المقاعد، وبالتالي المزيد من عدّاد النقود في خزانات المنظمة.

بعد هذه القرارات أصبح يوم الأحد مقرونًا برياضة كرة القدم الأميركية، حيث تُلعب 222 مباراة من أصل 256 مباراة أيام الأحد. وبقية الـ 17 مباراة أيام الخميس ومثلها ليلة السبت.

وتشاهد الكثير من الأجواء الخاصة بمتابعة هذه الرياضة عن طريق الأفلام والمسلسلات ومنصات التأثير الأخرى. التجمع حول الشاشة لا يكتمل إلا بوجود طبق رقائق الناتشوز المقرمشة، وأجنحة الدجاج الشهية أو قطع البيتزا الساخنة وعلب البيرة صاقعة البرودة، وارتداء قميص الفريق الرسمي والتيمن بأن ذلك سيجلب الحظ.

كل ذلك مقابل اشتراك سنوي يضمن لك الحصول على تلك التجربة الإضافية

يمتد موسم دوري كرة القدم الأميركية لستة أشهر تقريبًا، يبدأ في شهر سبتمبر ويمتد حتى شهر فبراير. هذا يعني أن هناك ستة أشهر لا تقام فيها أي مباريات، ولكنها لن تذهب هدرًا هكذا. فهناك طرق إضافية لجني الأموال وإبقاء حماس المشاهدين مشتعلاً. فتقوم المنظمة بإخراج وإنتاج أعمال فنية ووثائقية عن الرياضة، ويعرضون قوائم بأفضل لاعبيّ الموسم، وإجراء مقابلات حصرية معهم. كما يتم عرض لقطات مسجلة لم يتم نشرها من قبل، سجلت عن طريق  كاميرات خاصة. وعرض وثائقيات ومقابلات مع أساطير اللعبة القدامى وأعلامها. وهناك وثائقيات تصوّر ما يحدث خلف كواليس المباريات والحوارات الشخصية التي تدور بلواقط صوت مثبتة على ملابسهم أثناء المباريات ليتم تسجيل الصوت واستخدامه من أجل إعطاء الجمهور تغطية كاملة لما يقوله اللاعبين والمدربين وغيرهم في الملعب، ليشعروا بأنهم جزء من الفريق، وكل ذلك مقابل اشتراك سنوي يضمن لك الحصول على تلك التجربة الإضافية.

ديموقراطية الكرة الأميركية

تحرص المنظمة كثيرًا على أن يكون التنافس في أعلى مستوياته كل سنة. ليس ذلك فحسب، بل تحرص أيضًا على أن تحصل جميع الفرق على لاعبين استثنائيين، وتستنكر فكرة تجمع أفضل اللاعبين في فريق واحد للسبب ذاته. فمع تجمع اللاعبين، سيشكل ذلك قوّة وسيطرة من قبل نادٍ واحد لفترة زمنية طويلة، وسيقتل ذلك المشاهدات والحماس، ويتسبب في خسائر مالية كبيرة. فعملوا على وضع نظامين أساسيين لمنع حدوث ذلك:

الأول، هو سقف رواتب اللاعبين في الفريق. فلا يحق لأي فريق أن يتجاوز هذا السقف المدروس والموضوع بعناية، والمستحدث كل سنة. ولهذا لن تجد نجوم اللعبة يجتمعون في فريق واحد، فذلك يعني أنّ عليهم التضحية بمبالغ رواتبهم من أجل النجوم الآخرين. فيقوم بعض النجوم بالذهاب إلى فريق آخر لم يقم باستهلاك المبلغ المحدد لسقف الرواتب وقادر على توفير مطالبه المادية. بهذه الطريقة لن يستطيع أي فريق مدجّج بالنجوم أن يقوم بعرض رواتب تنافسية لاستقطاب اللاعبين الجدد، وسيكون للفرق الأخرى أفضلية في عرض مبلغ مادي أعلى، لعدم وجود لاعبين برواتب عالية في فريقهم. لذلك لن ترى سيناريو زيدان ورونالدو وفيجو وبيكهام وراؤول وروبرتو كارلوس في فريق واحد كما فعل ريال مدريد في الماضي.

أما الأمر الثاني فهو نظام البطاقات الجامعية (Draft). نهاية كل سنة، يعلن بعض لاعبي دوري الجامعات نيتهم دخول دوري كرة القدم الأميركية للمحترفين. وهؤلاء الصفوة من لاعبي الجامعات قادرون على  منافسة أفضل لاعبين دوري المحترفين، وقادرون على تغيير معالم الكثير من الفرق وحسم الكثير من المباريات، ونظام البطاقات الجامعية هذا يضمن أن يكون توزيع المواهب الجامعية الفذّة بأعدل طريقة ممكنة.

يتم إعطاء أسوأ فريق في دوري العام المنصرم حق الاختيار الأول من بين لاعبين الجامعات، فبذلك يضمنون وجود لاعبًا مؤثرًا ونجمًا بارزًا في صفوفه، وهلمّ جرا. وبالمقابل من يكون حامل اللقب الاختيار الأخير في الجولة. وبهذه الطريقة تضمن موازنة القوى بين الأندية، وتتلاشى نسب استمرارية فريق واحد في الصدارة لفترة طويلة. ويُضمن أن جميع الفرق تحصل على نجوم يساعدون الفريق تسويقيًا، ويزرعون حماس الجمهور والمتابعين للحضور مجددًا، وبالتالي تمتلئ خزنة المنظمة مجددًا. ويجتمع  أيضًا ملّاك الأندية الـ 32 بشكل سنوي لمناقشة مجريات الموسم وأبرز القضايا التي حدثت. وبناءً على تصويتهم يتم اتخاذ إجراءات وقرارات تصل إلى تغيير أو استحداث قوانين جديدة باللعبة.

من بلاد العمّ سام، إلى بقية أقطار العالم

لم تكتفِ المنظمة بالسوق الأميركي فحسب، فهم يرون أن بإمكانهم الوصول لأكثر من ذلك بكثير. وأن هناك جزءًا كبيرًا من الكعكة لم يلتفتوا إليه بعد، ألا وهو انتشار هذه الرياضة خارج الحدود الأميركية. فكانت هناك محاولات لنشر هذه الرياضة أثناء السبعينات والثمانينات ولكن على استحياء عبر لعب مباريات وديّة سنوية في بريطانيا وكندا والمكسيك وغيرها، إلا أنها لم تلق القبول المطلوب والمأمول منها. ولكن كل هذا تغيّر مع انتشار اللعبة على نطاق أوسع وإعلانات الشركات الرياضية وغيرها عن طريق أشهر لاعبيّ الرياضة. فأصبحت الرياضة جاهزة للإبحار في أمواج العالمية والانتشار. فبدءًا من 2005، لعبت أول مباراة رسمية خارج الحدود الأميركية، التي كانت في المكسيك وتخطى الحضور لتلك المباراة حاجز  100,000 متفرج.

أصبحت الرياضة جاهزة للإبحار في أمواج العالمية

وابتداءً من 2007، بدأ ما يعرف اليوم بسلسلة لندن، التي تقتضي لعب عدد معين من المباريات بشكل سنوي في ملعب ويمبلي في العاصمة لندن. وبالفعل، أصبح هذا الحدث المترّقب يحسب له ألف حساب، وتتخطى أعداد الحاضرين له أرقامًا قياسية بمرور السنين. وصرح أحد المسؤولين في منظمة كرة القدم الأميركية أن هدفهم هو أن يكون هناك فريق مقره بريطانيا العظمى، يشارك في دوري كرة القدم الأميركية بحلول عام 2022. كما أنه لا يستبعد أن يتم تنظيم (Super Bowl) في لندن قريبًا. ولك أن تتخيل حجم الإيرادات المالية الطائلة التي ستجنيها المنظمة في حال انتشار رياضتها في أوربا و أميركا اللاتينية كما يطمحون.

رأينا في العام الماضي بوادر اهتمام بهذه الرياضات الفريدة، شهدنا إعلان تأسيس اتحادات سعودية لكثير من الرياضات، وكان منها “الاتحاد السعودي لكرة القدم الأمريكية”. لم لا يتغير موقفنا من مجرد متابعين ومهتمين عن بعد، إلى مشاركين في الحدث وممّن يقتسمون كعكة الإيرادات الضخمة هذه. المرفقات جاهزة لدينا، الأنشطة المصاحبة والتجهيزات كذلك، والأهم أن العائلات أصبح بإمكانهم حضور المحافل الرياضية. ليس هناك أي سبب يمنع من استضافة مباريات هذه الرياضة لدينا، ولم لا تكون الـ Super Bowl برمتها تقام في ربوع بلادي ذات يوم؟