في عام 2003 أعلنت لاعبة التنس السويسرية مارتينا هينجز (Martina Hingis) اعتزالها لعبة كرة المضرب، وهو ما مثّل صدمة للكثير من عشاق اللعبة، ليس لكونهم سيفقدون لاعبة من الطراز الرفيع كانت قد اعتلت المرتبة الأولى لسنوات، بل لأن هينجز لم تتجاوز الثانية والعشرين من العمر آنذاك.

ذكرت مارتينا مراتٍ عديدة بأن السبب الرئيسي وراء اعتزالها هو ضغط البطولات وتكرار إصاباتها التي أنهكت جسدها. كانت تقول أنها ترغب في الاستيقاظ صباحًا دون شعور بالقلق الذي ينتابها قبيل مباراة مهمة، أو عدّ الساعات الطويلة التي يستغرقها التمرين اليومي. أرادت مارتينا إراحة جسدها وعقلها، ورغم كل أضواء الشهرة والنجومية والمغريات التي تأتي من ورائها، إلا أنها اختارت الاسترخاء.

الوالدة المدربة

لفتت مارتينا الأنظار إليها منذ عمر مبكر بتحقيقها ثلاث بطولات من أصل أربع جراند سلام (Grand Slam) خلال عام 1997 حين كان عمرها ستة عشر عامًا، لتدخل بذلك التاريخ كأصغر لاعبة تحقق هذا الإنجاز.

منذ ذلك الوقت سلطت الكثير من وسائل الإعلام الضوء عليها، لمراقبة تصرفاتها وحركاتها، رغبةً منهم في التوصل لسر الإنجاز الكبير الذي حققته. ثم بدأ التركيز على علاقة هينجز بأمها، وقد يتبادر إلى ذهنك فورًا: وما الغريب في ذلك؟ الفتاة ما زالت صغيرة في العمر، وليس من المستغرب أن ترافقها والدتها في رحلاتها، لتحضر جميع المباريات التي تخوضها. لكن إذا أضفنا كلمة أخرى بجانب الوالدة لتصبح “الوالدة المدربة” نتفهم أكثر سبب اهتمام الجميع بتلك العلاقة.

تتسم شخصية المدرب غالبًا بالصلابة والضغط على اللاعب أو اللاعبة قدر المستطاع لإخراج أفضل ما عنده حتى يصبح له من النجاح نصيب، أما الأم فهي الملجأ عند حدوث الإخفاقات، وهي التي نجد عندها الكلمات التشجيعية، والتطمينات بأننا ما زلنا الأفضل، حتى لو تكررت هزائمنا. فكيف يمكن الدمج بين تلك الشخصيتين؟

تقول مارتينا بعد اعتزالها اللعبة للمرة الثالثة أواخر عام 2017 وبعد أن أصبحت أكثر نضجًا وخبرة أنه لولا والدتها لما تحققت كل تلك الإنجازات، نافيةً بذلك كل ما كان يعتقده الكثيرون حين ذكروا بأن والدتها كانت سببًا رئيسيًا في تكوين ضغوط نفسية هائلة عليها مما جعلها تنهار في الكثير من الأوقات وأدى ذلك إلى اعتزالها اللعبة أكثر من مرة. لكن مارتينا تعتبر نفسها محظوظة بأن والدتها هي مدربتها، فهي من جعلها تتعلق بلعبة التنس من الأساس كونها لاعبة سابقة، حيث ساعدت ابنتها وجعلتها تسير على نفس الطريق وتغدق عليها بالنصائح، والاستشارات المجانية، فأصبحت هذه الطفلة كالمشروع الذي تعول عليه الأم في أن يتحول إلى نجم عالمي.



سقطات على ساحة التزلج

ذات الأبطال يظهرون لكن في أحداث مختلفة لقصة أخرى. مؤخّرًا، تداول الإعلام قصة تخص لاعبة التزلج على الجليد تونيا هاردينج (Tonya Harding). والتي برز اسمها على وسائل التواصل الاجتماعيّة، والقنوات الإعلامية المختلفة، بسبب عرض فيلم يتناول قصة حياتها، ومن أهم الأمور التي سلط الفيلم الضوء عليها، هي حادثة شهيرة اعتُدي خلالها على زميلتها ومنافستها مما أدى إلى إصابتها في ساقها. واتضح لاحقًا أن هذا الاعتداء نفذ من قبل أشخاص استُخدِموا من قبل زوج تونيا، ومع أنها اعترفت بعلمها بالمخطط إلّا أنها لم تكن تعلم كافة التفاصيل الدقيقة.

السؤال الذي يجب أن يطرح هنا: ما الذي جعل تونيا تتخذ هذا القرار وتوافق على إيذاء زميلتها حتى تتمكن هي من إحراز الفوز؟

دخلت تونيا هذه اللعبة في عمرٍ صغير، وتحدّثت في مقابلة لها عن أنّ والدتها أجبرت المدربة على تدريبها وهي لم تبلغ بعد الخامسة من العمر ومع لاعبات يكبرنها بالعمر. بمعنى آخر لم تكن تلك التمارين من أجل المرح فقط، بل كانت محاولات من أجل صناعة نجمة. هذا الاحتراف المبكر أثمر عن نتائجه حين حققت تونيا العديد من البطولات، بل وأصبحت أول لاعبة أميركية تؤدي القفزة الثلاثية المعروفة بصعوبتها، والتي تحاول الكثير من اللاعبات الابتعاد عن تأديتها خشية تعرضهم للسقوط.

هذه القفزة جعلت من تونيا نجمة يُتنبّأ لها بمستقبل كبير ويعول عليها في تحقيق إنجازات لبلدها في الأولمبياد الشتوي، لكن حدث النقيض تمامًا، فقد هبط مستوى تونيا وأصبح متذبذًا، ولم تتكرر القفزة العظيمة بل أصبح هنالك العديد من السقطات على ساحة التزلج. في محاولة من الإعلام لمعرفة السبب سُلِّط الضوء على علاقتها بوالدتها التي كانت على خلاف دائم معها. وكانت دائمًا ما تضعها تحت الضغط، ظنًا منها بأن ابنتها لن تبدع إلا إذا وضعت تحت تلك الظروف. وقد وصفت تونيا تلك الضغوطات بأنه عنف أسري ضدها مضيفة أنها تعرضت للضرب من قِبل أمها عدة مرات.

النجم الذي طالما رغبت به

انتهت مسيرة تونيا بعد فضيحة الحادثة المدبّرة وقررت الرابطة الأمريكية للتزلج على الجليد منعها من المشاركة في المسابقات نهائيًّا. مارتينا هي الأخرى عدلت عن اعتزالها الأول بعد أربعة أعوام لتعاود اللعب مرة أخرى لكنها لم تكن بالمظفرة. فقد تمكنت من تحقيق انتصارات بسيطة هنا وهناك لكن دون تحقيق أي بطولات. وبعدها بعام أثبتت التحاليل تعاطيها مادة الكوكايين لتحرم من ممارسة اللعبة لمدة عامين.

يقول الدكتور جيم تايلور (Jim Taylor)، المختص في علم النفس الرياضي:

“دائمًا ما يسألني العديد من الآباء عن كيفية صنع نجوم رياضيين، والمقصود به بالطبع أبناؤهم، يجب على الآباء فهم أن فكرة صنع نجم بارز هي مضيعة للوقت والمال، وفيها الكثير من الإجحاف بحق أبنائهم. الغاية الأساسية من تعليمهم الرياضة في هذا السن المبكر هو قضاء وقت ممتع مع التمتع بالصحة الجيدة بالإضافة لتعليمهم مهارات التعامل مع الحياة وزرع حب الرياضة في نفوسهم، إذا كنت محظوظًا بوجود بعض الجينات الرياضية في ابنك سيستمر في ممارسة اللعبة حتى يحترفها فيصبح بعدها ذلك النجم الذي طالما رغبت به”.