شهية الجراثيم قد تكون حلًّا للتلوُّث بالصادَّات الحيوية

شهية الجراثيم قد تكون حلًّا للتلوُّث بالصادَّات الحيوية
شهية الجراثيم قد تكون حلًّا للتلوُّث بالصادَّات الحيوية

قد تكون الصادَّات الحيوية ضروريَّةً لإنقاذ أرواح الأشخاص الذين يعانون أمراضًا جرثوميَّةً مثل ذات الرئة والتهاب سحايا الدماغ. وعلى الرغم من أن الصادَّات الحيوية تقتل معظم الجراثيم، فإن بعضها تقاوم هجومها وتطوير آليَّات لمقاومة الصادَّات، بل إن بعضها استطاع تحويل الصادَّات الحيوية من سم يخترقها إلى غذاء تقتات عليه.

لا يعرف العلماء سوى القليل عن كيفية تفكيك الجراثيم للصادَّات الحيوية، لذا يركِّز بحث جديد من كلية طب جامعة واشنطن في سانت لويس على المراحل الرئيسة في العملية.

ووفقًا لنتائج الدراسة المنشورة مجلّة نيتشر كيميكال بيولوجي، قد نجد وسائل جديدة لإزالة الصادَّات الحيوية من التربة والمياه، إذ يزيد تلوُّث البيئة بالصادَّات الحيوية مشكلة مقاومة الجراثيم لها، ما يضعف قدرتنا على علاج الأمراض الجرثومية المنشأ.

وقال جاوتام دانتس أستاذ المناعة وعلم الأمراض والأحياء الدقيقة والهندسة الحيوية الطبية «أدركنا منذ عشرة أعوام أنَّ بعض الجراثيم تستطيع التغذّي على الصادَّات الحيوية، وصُدِم الجميع بهذا. إلَّا أنَّ الأمر اتَّضح مؤخَّرًا وأصبح مفهومًا. تتركَّب الصادَّات الحيوية من مواد عضوية كربونية، وأينما وُجد الكربون فإنَّ الكائنات الحيَّة ستجد طريقةً للتغذِّي عليه. وربَّما نستفيد من ذلك في التخلُّص من الصادَّات الحيوية في الأماكن التي تسبِّب فيه الأذى.»

تمثِّل المقاومة الجرثومية للصادَّات مشكلةً صحيةً تزداد خطورة يومًا بعد يوم، وتشكِّل خطرًا على القطاع الطبّي وقد تؤدِّي إلى عجزنا عن علاج الأمراض الجرثومية لتعيدها إلى رأس قائمة أسباب الوفاة على مستوى العالم.

تزيد ممارسات القطاعات الصناعية والزراعية سرعة تفاقم مشكلة مقاومة الصادَّات الحيوية من خلال إشباع البيئة بالأدوية الفعَّالة في كل مكان. تتخلَّص الصين والهند مثلًا من مخلَّفات صناعة الصادَّات الحيوية من خلال تصريفها في مجاري المياه المحليَّة. وتنتج الصين والهند النسبة الأكبر من الصادَّات الحيوية عالميًّا. وفي الولايات المتَّحدة، يضيف بعض المزارعين الصادَّات الحيوية إلى غذاء الحيوانات في مزارعهم لتعزيز نمو الماشية، وتنتج هذه المواشي كمّيات كبيرة من المخلَّفات والروث المليئين بالصادَّات الحيوية.

تتشارك الجراثيم المعلومات الجينية بينها بسهولة. وعندما تتسرَّب الصادَّات الحيوية إلى المياه والتربة، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى انتشار الجينات المسؤولة عن مقاومة الصادَّات بين الجراثيم التي تستعمر هذه الأوساط البيئية.



عمل دانتس والباحث تيرنس كروفتس وزملاؤهما على فهم آلية مقاومة الصادَّات الحيوية. ولم يكتفوا بذلك فحسب، بل سعوا إلى فهم كيفية تغذّي بعض الجراثيم على الصادَّات الحيوية. ودرس الفريق أربعة أنواع جرثومية من أتربة مناطق مختلفة، تستطيع جميعها التغذّي على البنسلين. ويُعَدُّ البنسلين أوَّل صادّ حيوي يطوِّره العلماء، لكنَّه أصبح ضعيفًا بسبب مقاومة الجراثيم له، على الرغم من أن بعض الأدوية المشتقَّة من البنسلين أو المشابهة له ما زالت فعَّالة طبيًّا، ومنها الأموكسيسلين والأمبيسلين.

وجد الباحثون ثلاث مجموعات جينية تصبح فعَّالة عندما تتغذَّى الجراثيم على البنسلين لكنَّها تتعطَّل عندما تتغذَّى على السكر. تتطابق هذه المجموعات الجينية الثلاثة في ثلاثة خطوات تتَّبعها الجراثيم لتحويل المركَّب الدوائي السام إلى مواد مغذّية. تبدأ جميع هذه الجراثيم بتعطيل الجزء السام من الدواء. وعندما يتعطَّل السم، تلتقم الجراثيم جزءًا مناسبًا من الدواء لتتغذَّى عليه.

قد يساعد فهم العمليَّة التي تحوِّل الصادَّات الحيويَّة إلى مواد مغذّية الباحثين على هندسة جراثيم تزيل الأدوية والسموم من التربة الزراعية ومجاري المياه. وقد يسهم ذلك في إبطاء انتشار مقاومة الصادَّات الحيوية. وعلى الرغم من صعوبة التعامل مع الجراثيم التي تتغذَّى على الصادَّات الحيوية في التربة وانتقائيَّتها الصارمة، قد يتمكَّن العلماء من تعديل جراثيم الإشريشية القولونية لتصبح قادرة على تنقية المياه والتربة من الصادَّات الحيوية والملوِّثات السامّة.

وأوضح كروفتس ودانتس أنهما قادرين على منح جراثيم الإشيرية القولونية القدرة على التغذّي على البنسلين. تتغذَّى هذه الجراثيم عادةً على السكَّر، لكنَّها قد تصبح قادرةً على التهام البنسلين من خلال بعض التعديلات الجينية وإضافة بعض البروتينات المهمّة.

وقال كروفتس «قد نتمكَّن من تعديل الجراثيم لتفكِّك الصادَّات الحيوية الملوِّثة للبيئة من خلال تقنيات الهندسة الجينية المتقدّمة.»

وعلى أي مشروع هندسة حيوية يتصدَّر لهذه المشكلة أن يعمل على تسريع عمليَّة تفكيك الجراثيم للصادَّات الحيويَّة، إذ أنَّ الجراثيم التي تعيش في التربة وتلتهم الصادَّات الحيوية تعمل ببطء على الرغم من كفاءتها. أي أنَّها لن تستطيع احتواء كمّية الصادَّات الحيوية الموجودة في البيئة قرب مصانع الأدوية أو مراكز الصرف الصحي.

وقال دانتس «لا يمكننا نشر هذه الجراثيم اليوم في البيئة وانتظارها لتنظّف كلَّ شيء. لكنَّنا اليوم نعرف كيف نصل إلى هذه النتيجة. إنَّ تطوير خطَّة بالاعتماد على شيء متاح لديك أسهل من بناء خطَّة كاملة من الصفر.»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى كويكبات طروادة تسلط الضوء على الفترة الأولية لنشوء مجموعتنا الشمسية