أخبار عاجلة

الأبحاث الرديئة تعني أنَّ معظم ما نعرفه عن التغذية خاطئ

الأبحاث الرديئة تعني أنَّ معظم ما نعرفه عن التغذية خاطئ
الأبحاث الرديئة تعني أنَّ معظم ما نعرفه عن التغذية خاطئ

تُعَدُّ البيتزا وجبةً صحّية، أو هذا ما نعرفه على الأقل. تتضمن البيتزا جميع العناصر الغذائية الرئيسة، وتشمل قاعدتها من الخبز. ولعلَّ قلوبنا تعلَّقت بهذه المعلومة ونشأنا عليها، فنحن نحبُّ تناول البيتزا في كل الأوقات. وقبل أن تهزأ بخياراتي الغذائية، عليك أن تعلم أنَّ لديك أيضًا معلومات مغلوطة كثيرة عن الغذاء. هل تشتري الجبن قليل الدسم والحليب المقشود وتحسب السعرات الحرارية في وجباتك لأنَّ العلم ينصحك بذلك؟

عزيزي القارئ.. إنَّ معظم ما يخبرك به العلم خاطئ للأسف.

إن جعلك علم التغذية تشعر بالحيرة والارتباك، فلعلَّ السبب أنَّه محيِّر فعلًا. كانت الدهون المشبعة مضرَّةً بالصحّة إلى وقت قريب، ثمَّ صارت صحّية! وكانت الدهون عدوّنا الأوَّل، ثم أصبح السكَّر محلَّ الاتهام.

تعرَّضت المعلومات التي كنَّا نحسبها حقائق في الأسبوع الماضية لزعزعة وتصحيحات عديدة. تمتلئ أبحاث التغذية بالأخطاء البشرية والمنهجية والانحيازات الإحصائية.

وتسبِّب كثرة المقالات التي نُشرت عن كلّ دراسة مشكلةً حقيقيَّةً، لكنَّ المشكلة الأهمّ تكمن في تضارب الاستنتاجات بين الدراسات! تقول التوصيات والمعايير الأخيرة لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية إنّ البيض مليء بالكولسترول والدهون ولا يُعَدُّ صحيًّا، وفي المقابل ما زالت جهات حكومية أخرى تدرجه ضمن مكوّنات الإفطار الصحّي. ووفقًا لمجلة وايرد، أجريت عدَّة دراسات لمعرفة الفرق بين السعرات الحرارية الصحّية والسعرات الحرارية المضرة، لكنها لم تكن دقيقة لأن الباحثين لم يستخدموا شواهد الضبط وسمحوا للمموّلين الذين يفضّلون نتائج معيَّنة بالتأثير على الدراسة. وما زلنا لا نعرف إن كانت عشر سعرات حرارية من الشوكولاتة أفضل من عشر سعرات حرارية من البروكلي.

وفي مطلع هذا الشهر، سُحِبت الدراسة التي ربطت بين مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط والحماية من أمراض القلب وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز. وعلى الرغم من أنَّ مؤلّفي الدراسة قالوا أنَّهم يستطيعون الخروج بالنتائج ذاتها حتَّى بعد نشر مقال لتصحيح أخطاء الدراسة، ما زال الناقدون غير مقتنعين بها.

وبسبب هذه الفوضى العلمية، لا بد أن نطرح السؤال التالي: لماذا يصعب على العلماء التفريق بين الأغذية الضارة والصحية؟ هل علينا أن نعاني دائما من التجارب المتضاربة التي تقول لنا إحداها إنَّ القهوة صحّية وتقول الأخرى إنها تسبّب السرطان؟

لا بد أن نطرح السؤال التالي: لماذا يصعب على العلماء التفريق بين الأغذية الضارة والصحية؟

علينا أن نجد طريقةً للتحكُّم بالتفاصيل الصغيرة والعوامل الخارجية التي تؤثّر على جودة الدراسات الغذائية.

وقالت كيلي بريتشت خبيرة التغذية واللياقة في جامعة واشنطن المركزية لمرصد المستقبل «يصعب إجراء أبحاث التغذية بسبب العوامل الخارجية التي يجب ضبطها، وتتضمَّن هذه العوامل: أيّ شيء يؤثّر على النوم والأنشطة اليومية والتاريخ الطبّي وظروف المعيشة ونوع النظام الغذائي. علينا أن نتعامل مع دراسات التغذية بطريقة التحكُّم بكلّ ما يمكن التحكُّم به.»

وربَّما كان حلَّ مشكلة هذه المتغيّرات المربكة سيساعد في إنقاذ دراسة مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط، بدلًا من إبطال نتائجها. وكان يفترض تخصيص نوع غذائي لكل متطوّع بطريقة عشوائية، لكنَّ 10% من المتطوّعين حصلوا على وجباتهم بطريقة غير عشوائية وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز. إذ أعطيت عائلات كاملة، وأحيانًا مناطق سكنية كاملة، النوع الغذائي ذاته. ولم يناقش الباحثون هذه الطرائق المستخدمة في الإصدار المنشور من الدراسة.

يصعب تحقيق الفرز العشوائي. هل تتوقَّع أن يلتزم العلماء بطريقة الفرز العشوائي لضمان سلامة نتائج الدراسة بإجبار المتطوّعين على تناول مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط؟ ما الذي ستفعله إن اشتكى بعض المتطوّعين من عدم حصولهم على المقبّلات ذاتها التي حصل عليها جيرانهم؟ وهل ستطلب من الأهالي أن يطبخوا وجبة خاصة لكلّ طفل من أطفالهم لأجل العلم فحسب؟

ربَّما كان على الباحثين اتّباع ذلك فعلًا. أدَّى اتباع الطريق السهلة إلى تعريض الدراسة كلّها للانتقاد والتدقيق. وتعرَّضت كلُّ نتائجها للرفض والتحرّي، بعد أن اعتمد عليها عديدون حول العالم لتغيير عاداتهم الغذائية.

لكنَّ خطأ أولئك الباحثين ونتائج دراستهم المرفوضة لا تعني عدم قدرتنا على إجراء دراسات أفضل في المستقبل.



وقالت بريتشت «علينا أن نتحرَّى في طرائق البحث ومنهجه ونناقش طريقة عرض النتائج، ولا يقتصر ذلك على هذه الدراسة فحسب، بل على كل دراسة نقرأها أيضًا.»

لعلَّ الظروف المثالية تتطلَّب أن تجرى الدراسات في مختبرات عقيمة، حيث يتحكَّم الباحثون بالسعرات الحرارية والتمارين الرياضية والنوم لكلّ متطوّع في الدراسة. لكنَّ تطبيق ذلك ليس سهلًا إذ أنَّ أبحاث التغذية (مثل دراسة مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط) تستغرق وقتًا طويلًا لإيضاح الآثار الصحّية لمأكولات معينة. وعندما تفرض شروطًا معينة، فإنّك تنقص قابلية الدراسة للتطبيق في العالم الحقيقي.

ولا ريب أنَّ الأشخاص الذين سيحاولون الاستفادة من التجربة لن يعيشوا في مختبرات، بل سيمارسون حياتهم اليومية إلى جانب محاولتهم لموازنة وجباتهم في أماكن العمل وخلال الدراسة والتمرين وأوقات الترفيه.

وقد يسهم تحضير الوجبات للمتطوّعين بدل الاعتماد عليهم لتحضيرها في تقليل التوتُّر والشدَّة التي يتعرَّون لها، وتشير أبحاث عديدة إلى وجود علاقة بين التوتُّر وبطء عمليَّات الاستقلاب أو الأيض وزيادة اكتناز الدهون في الجسم.

تقتضي هذه العقبات أن يعثر الباحثون على طريقة لإجراء تجربتهم بطريقة تناسب نمط حياة المتطوعين كي تلامس النتائج حاجات الناس في حياتهم اليومية. لكنَّ ذلك لا يعني أن نهمل المعايير العلمية التي تضبط الأبحاث كما فعل الباحثون في دراسة مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط.

ويسعى العلماء إلى الوصول إلى طريقة أفضل لإجراء دراسات التغذية. وكشفت كوني ويفر خبيرة التغذية في جامعة بورديو لمرصد المستقبل أنَّ معاهد الصحة الوطنية الأمريكية دعمت مؤخَّرًا مجموعات من الباحثين في جامعة إنديانا وجامعة تافتس للوصول إلى منهج ومعايير توجّه طريقة إجراء أبحاث التغذية المضبوطة العشوائية. وقالت ويفر «توجد معايير عديدة لتوجيه تجارب الأدوية والأجهزة الطبية، لكنَّنا لا نجد شيئًا يوجّه أبحاث التغذية. لذا ستسهم هذه الجهود في كتابة معايير تحسّن الجودة العلمية لدراسات الأنظمة الغذائية.»

وتأمل ويفر أن يصل الباحثون إلى طريقة لاستخلاص النتائج المهمّة والمفيدة من الدراسات المتَّهمة بدقّتها، كي لا يضطرَّ العلماء إلى البدء من الصفر في المستقبل.

ربَّما لا نعلم كيف سيكون شكل المعايير الجديدة لكنَّها ستعكس أفضل الممارسات المتَّبعة في دراسات العلوم الأخرى. وعليها أن تركِّز على مبادئ العشوائية والتعمية التي يعُدُّها العلماء مهمَّةً وقيِّمةً بالقدر الذي تسمح به طبيعة الدراسة.

أمَّا حاليًا، على العلماء مراقبة الدراسات والتجارب التي تجرى للتحقُّق من عدم ارتكاب الأخطاء. وأخبرت ويفر مرصد المستقبل أنَّها حضرت اجتماعًا ركَّز على دراسة مأكولات مطبخ البحر الأبيض المتوسط وقالت إن المتحدّث أكَّد حينها أن موجة الغضب التي تعرَّضت لها الدراسة ستدفع الباحثين إلى الحذر من الأخطاء. وعندما يقبل العلماء بالاعتراف بأخطائهم، فسيصبح لدى عامة الناس إدراك أفضل للأطعمة الصحية والضارة.

وإلى أن تصلنا هذه المعايير الجديدة المنتظرة، فسيبقى عبء اختيار الطعام الصحي مرميًّا على عاتق الأفراد وتفضيلاتهم. وقالت بريتشت «أظنُّ أن الناس يحبُّون قراءة العناوين والملخَّصات أكثر من قراءة المقالات كاملةً، لذا سأنصح الناس بمثل ما أنصح به طلَّابي: عليكم قراءة المناقشة أوَّلًا ثم العودة إلى الوراء إلى مقدّمة البحث.»

«أظنُّ أن الناس يحبُّون قراءة العناوين والملخَّصات أكثر من قراءة المقالات كاملةً»

عليك دائمًا أن تتحرَّى الدليل وتناقش الادعاءات قبل أن تتبنَّى أحدها. فمثلًا ربَّما يقرأ بعض الناس على فيسبوك أو تويتر عنوانًا يؤكد أن تناول الباستا (المعكرونة) لا يسبِّب زيادة في الوزن. لكنَّهم لا يقرأون عادةً أن تمويل هذه الدراسة يأتي من شركات صنع المعكرونة. ولعلَّ هذا المثال كافٍ لدراسة الأمر قبل تغيير نظامك الغذائي.

وقد يكون الحل بتناول البيتزا كلَّ يوم لأنَّ العلم ما زال عاجزًا عن تمييز المأكولات الصحّية عن المأكولات الضارة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى صورة جديدة تؤكد: ثقب أسود يبتلع مجرتنا شيئا فشيئا