«واشنطن بوست»: احتراف البرمجة ليس كل شيء! ماذا تعرف عن الموظف الناجح في «جوجل»؟

تلقي فاليري شتراوس في صحيفة «واشنطن بوست» الضوء على مقالة هامة نشرتها كايثي ديفيدسون، المدير المؤسس لمشروع «مبادرات المستقبل» (Futures Initiative)، بهدف تفنيد معطيات وأفكار سائدة لدى الأهل، وحتى في الأوساط الأكاديمية.

تقول شتراوس: «إن أصحاب المنظور التقليدي للمهارات المطلوبة في القرن الحادي والعشرين مقتنعون بأن الطلاب بحاجة إلى التمكن من المواد المنضوية تحت مسمى (STEM) – علوم، تكنولوجيا، هندسة ورياضيات – وتعلم كيفية كتابة شيفرات البرمجة؛ لأنها برأيهم المهارات التي ستقودهم إلى الوظيفة، لكن تبيّن أن ذلك تبسيط فادح لما يحتاج الطلاب إلى تعلّمه والتمكن من القيام به، وبعض الإثباتات على ذلك تأتي من مصدر مفاجئ: شركة جوجل».

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: «جوجل» يمكنها أن تعرف إن كنت مكتئبًا.. لكن هل تساعدك فعلًا؟

تعرض شتراوس مقالة كايثي ديفيدسون، مؤسسة ومديرة مشروع «مبادرات المستقبل»، وأستاذة للدكتوراه في قسم اللغة الإنجليزية في مركز (CUNY) ومؤلفة كتاب «التربية الجديدة: كيف نحدث تغييرات جذرية في الجامعات لإعداد الطلاب لعالم يتغير باستمرار»، وقد عينها الرئيس السابق باراك أوباما في المجلس الوطني للعلوم الإنسانية. تلقي ديفيدسون الضوء في مقالتها على اكتشاف مذهل توصلت إليه شركة «جوجل» نتيجةً لدراسة أجرتها لخصائص موظفيها، وانعكاسات نتائج هذه الدراسة على توجهات الطلاب في البلاد.

تقول ديفيدسون: ينهمك الطلاب في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية في تعبئة طلبات الدخول إلى الجامعات وكتابة ذلك المقال المعنون «ماذا أريد أن أكون..» وقد نصحهم الخبراء وأولياء الأمور بالتركيز على المواد المنضوية تحت مسمى (STEM)، وهو مصطلح مكون من الحروف الأولى لكلمات (Sciences, Technology, Engineering, Mathematics) – علوم، تكنولوجيا، هندسة ورياضيات – ويصر الأهل والخبراء على أن هذه الاختصاصات هي السبيل الوحيد لإعداد الطلاب لسوق العمل.

لكن ديفيدسون تستشهد بدراستين تتناولان شروط النجاح في مكان العمل، تناقضان الحكمة التقليدية المتعصبة لما يعرف بـ«المهارات التقنية». وما يثير الدهشة هو أن مصدر هاتين الدراستين هي شركة جوجل، عملاق صناعة التكنولوجيا والمتبنية الشهيرة لعلوم (STEM).

تعود ديفيدسون إلى بدايات شركة جوجل التي أسسها سيرغي برين ولاري بايج، وكلاهما متخصص مبرّز في علوم الكمبيوتر على قناعة راسخة بأنه بإمكان المتخصصين في التكنولوجيا فقط دون غيرهم فهم التقنيات. وبناءً على ذلك، فقد صاغت جوجل أنظمتها الخاصة بالتوظيف لاختيار طلاب علوم الكمبيوتر الحائزين على أعلى العلامات من جامعات مرموقة في مجال العلوم دون غيرهم.

ما حدث، تقول ديفيدسون، هو أن جوجل قررت في العام 2013 أن تختبر فرضياتها في مجال التوظيف وقامت بتفحص أدق تفاصيل بيانات التوظيف والصرف من العمل والترقية المتراكمة منذ تأسيس الشركة في العام 1998. حمل هذا المشروع اسم «أوكسجين»، وقد جاءت نتائجه صادمة للجميع، إذ خلُصت إلى أنه من بين المزايا الثماني الأكثر أهمية التي يتمتع بها أفضل الموظفين لدى جوجل، تأتي خبرة (STEM) في أسفل اللائحة.

اقرأ أيضًا:  12 طريقة للبحث في «جوجل» قد لا تعلمها وتوفر لك الكثير من الوقت والجهد

أما المزايا الأهم للنجاح في جوجل، فكلها مهارات شخصية (Soft Skills): أن يكون الموظف مدرِّبًا جيدًا، أن يحسن التواصل والاستماع، أن يكون متفهمًا للآخرين – بما فيها قيمهم ووجهات نظرهم المختلفة – أن يكون متعاطفًا مع زملائه وداعمًا لهم، أن يمتلك تفكيرًا ناقدًا وقدرةً على حل المشاكل، وأن يكون قادرًا على إيجاد الروابط بين الأفكار المعقدة.



تشير ديفيدسون إلى أن هذه المزايا تبدو مرتبطة أكثر بخريجي اختصاص الأدب الإنجليزي أو المسرح، ربما أكثر من المتخصصين في البرمجة. وتطرح السؤال الإشكالي التالي: هل يمكن القول إن أفضل موظفي جوجل ينجحون على الرغم من خلفياتهم التقنية، وليس بفضلها؟ يبدو أن جوجل التي تفاجأت بنتائج هذه الدراسة استدعت متخصصين في علوم الإنسان والدراسات الإنثروبولوجية للغوص أكثر في البيانات، وقامت بعد ذلك بتعديل ممارساتها ومعاييرها المعتمدة في التوظيف لتشمل اختصاصات العلوم الإنسانية والفنانين والحائزين على شهادات ماجستير في إدارة الأعمال، هؤلاء الذين كان ينظر إليهم برين وبايج بازدراء.

لقطة من داخل مؤتمر مطوري جوجل

كما نشرت جوجل الربيع الفائت خلاصة «مشروع أرسطو»، وهي دراسة قامت بها الشركة تؤكد أهمية المهارات الشخصية حتى في بيئات التكنولوجيا المتطورة. يحلل هذا المشروع بيانات خاصة بالفرق التي تتميز بالإبداع والإنتاجية العالية. وفي حين كانت جوجل تتفاخر بفرقها المصنفة بأنها فرق الدرجة الأولى، والتي تضم أفضل العلماء الذين يتمتعون بمعارف عالية التخصص في المجال التقني والقادرين على الإتيان بأفكار مبتكرة الواحدة تلو الأخرى، إلا أن تحليل البيانات كشف أن أهم الأفكار الجديدة وأكثرها إنتاجيةً جاءت من الفرق المصنفة بأنها فرق العمل من الدرجة الثانية، والمكونة من موظفين ليسوا بالضرورة أشد الأشخاص ذكاءً في المكان.

يبين مشروع أرسطو بوضوح أن أفضل فرق العمل في جوجل تتمتع بالعديد من المهارات الشخصية: العدالة، والكرم، والفضول تجاه الأفكار التي يطرحها الزملاء، والتعاطف، والذكاء الانفعالي، وعلى رأس هذه المهارات: الأمان العاطفي. لا تنمّر! لكي ينجح، على كل فرد في الفريق أن يشعر بالأمان وهو يعلن رأيه وأيضًا وهو يرتكب الأخطاء. هم بحاجةٍ إلى الاطمئنان إلى أن صوتهم مسموع.

لكن أبحاث جوجل هذه لم تكن الوحيدة من نوعها، بل تزامنت مع دراسات أخرى حاولت التوصل إلى سر استقطاب «الموظف العظيم». فقد بين استبيان أجرته مؤخرًا الجمعية الوطنية للجامعات وأرباب العمل التي تضم شركات صغيرة الحجم، وأخرى عملاقة، مثل «شيفرون» و«آي.بي.أم» وشمل 260 موظفًا، أن مهارات التواصل تأتي في طليعة ثلاث مزايا يبحث عنها أفضل المشغلين وشركات التوظيف: التواصل مع الموظفين الآخرين، ومع المجتمع الخارجي؛ لعرض منتجات الشركة ورسالتها.

اقرأ أيضًا: مترجم: مذكرة كتبها موظف في «جوجل».. هل بالفعل الرجال أفضل في مجال العلوم؟

وتستشهد ديفيدسون بمارك كوبان، الملياردير المعروف وعضو لجنة التحكيم في برنامج «شارك تانك» وهو أحد برامج تلفزيون الواقع حيث تقوم لجنة من خمسة مستثمرين بفحص مشروعات يقدمها أصحابها للحصول على تمويل لها. كوبان مثلًا يبحث عن متخصصين في مجال الفلسفة، وهو يراهن على أصحاب المشروعات المتوقع نجاحهم.

تخلص ديفيدسون إلى أنه لا شك بأن مهارات (STEM) ضرورية وحيوية للعالم الذي نعيش فيه اليوم، لكن التكنولوجيا وحدها، كما أكد ستيف جوبز، لا تكفي. فالعالم بحاجة شديدة إلى خبرات المتخصصين في الثقافة وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية، إضافةً إلى المتخصصين في العلوم التقنية.

تختم ديفيدسون مقالتها بالقول إنه «لا يجب منع أي طالب من الاختصاص في المجال الذي يهواه بالاستناد إلى فكرة مغلوطة عن شروط النجاح في سوق العمل، وأن مهارات التعلم الواسعة هي الأساس في مساراتٍ مهنية منتجة وطويلة الأمد وباعثة على الرضا». إن ما يساعدك على النجاح والتطور في عالمٍ متغير، تقول ديفيدسون، ليس علم الصواريخ. قد يكون أحد علوم الاجتماع، وحتى العلوم الإنسانية والفنون، التي تساهم في جعلك جاهزًا لمواجهة سوق العمل، بل ولمواجهة العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى ألمانيا: علاج جديد لمرض الملاريا