طُرُق حفظ الخصوبة عند تلقّي علاج السرطان

تم إعداد المقال من رغد السّكجي بمتابعة من الدكتور عبدالرحيم بن عبدالرحمن سجيني الدكتور المساعد في بيولوجيا الخلايا الجذعية، قسم الهندسة البيولوجية في جامعة خليفة

في مسببات الوفاة الأكثر شيوعاً في دولة الإمارات العربيّة المُتًّحِدة وأكثر أنواع السرطان انتشاراَ بين الإناث هو سرطانُ الثّدي، وسرطان الرئة بالنسبة الذُّكور، يتبعهم سرطان القولون لِكِلا الجِنسَين. رغم أنّ الخيارات العلاجيّة مُتَوَفِّرة، إلّا أنّ وجود عوارضٍ جانبيّة لتلكَ العِلاجات أمرٌ محتوم. لهذا، وبعد أخذ العوارض الجانبيّة بعين الإعتبار، نجد أنّ عِلاج السرطان لا يقتصر على التّخَلُّص من الخلايا السّرطانية وحسب، بل عليه أن يساهم في الحد من الأعراض الجانبية والتبعات السلبية على حياة المتعافين من السرطان.

وفقدان الخصوبة مثالٌ على تلك الأعراض الجانبية، إذ وجدت الدراسات أن من تَلَقّوا عِلاجاً للسرطان انخفضت لديهم مُعَدّلات الخُصوبة بشكل كبير، وذلك بسبب الآثار المدمّرة للعلاج الكيماوي والعلاج بالأشعة على الجهاز التّناسُلي. فقد تُقلّل بعض البرامج العلاجية للسرطان معدل الإنجاب بنسبة 50% عند الإناث و بين 30% إلى 57% عند الذّكور.  لهذا، من المهم توفير خياراتٍ علاجيّةٍ تُراعي اهتمام المريض بالحفاظ على خصوبته. فالقدرة على الإنجاب تلعب دوراً كبيراً في حياة العائلة العربية، بدايةً بحمل الأبناء لأسامي عائلاتهم و محافظتهم على التقاليد المتعارف عليها، إلى حين يكبر الأبناء، حيث يستلمون مسؤولية الاهتمام بوالديهم في كبرهم. وحول العالم، يُعًبّر مرضى السرطان عن اهتمامهم بالحفاظ على خصوبتهم بعد خضوعهم لعلاج مرض السرطان، إذ أعربت 57% من النساء اللاتي أُصبن بسرطان الثدي عن اهتمامهن بالحفاظ على خصوبتهن، وتجد 26% أن هذا سوف يؤثر على اختيارهن لخطة علاج. 

اليوم، تُعَرّض أغلب العلاجات الخاصة بالسرطان المرضى إلى جُرعات عالية من الإشعاعات المؤيّنة، كجزء من العلاج الإشعاعي، وقد وُجد أن هذا النوع من العلاج يتسبب بالفقدان الكامل للخصوبة، عِلماً بأن الجرعات القليلة قد تسبب فشل المبايض المبكر. تلك الحالات وُجدت أيضاً عند الخضوع للعلاج الكيماوي، إذ يحتوي عدد من الخطط العلاجية بالكيماوي على مواد تُسبب تسمم المبيض، كالمواد المُقَلوِلة، التي تسبب فشل المبايض المبكر. بينما تحتوي خطط علاجية أخرى على مواد أقل خطورة نسبياً، كمركبات الأنثراسيكلين المضادة للأورام ومركبات البلاتين، لكن جميعها تسبب تسمم المبيض، بشكل أو بآخر.

 

العلاج الكيماوي والعلاج بالأشعة لا يقتصران على مرضى السرطان وحسب، فهنالك العديد من الأمراض مثل الحالات العضال من فقر الدم الوراثي التي تعتمد على هذه العلاجات. لهذا، فقدان الخصوبة بنفس الشكل يمكن أن يحصل خارج عن نطاق السرطان. هنالك عوامل عديدة تؤثر على فشل المبايض المبكر، تسمم المبيض، وحتى فقدان الخصوبة. فعمر المريض، كمية الجرعة التي يتناولها، ومدة العلاج، بالإضافة إلى المساحة التي تصل إليها الأشعة المؤينة، والمواد المستعملة في العلاج الكيماوي، لذا فمن الضروري أخذ العوامل السابقة بعين الاعتبار لتقدير خطرها على صحة جسم المريض.



بالرغم من  وجود علاجات وأساليب متعددة للحفاظ على الخصوبة، إلا أن لكلٍّ منها أعراضاً جانبية مختلفة، و قد لا تناسب جميع الأشخاص. إحدى تلك الوسائل تتمثل باستخدام غطاء يمنع الأشعة من الوصول إلى الغدد التناسلية حين يتعرض جسد المريض للعلاج بالأشعة. مع ذلك، فإن أبحاثاً حديثة تدرس احتمال تسبب ذلك الغطاء بتحويل كميات أكثر من الأشعة لأعضاء الجسم الأُخرى التي لا يحميها الغطاء، و التي بدورها تزيد أعراض الأشعة الجانبية على تلك الأعضاء.  وهناك وسيلة أخرى للحفاظ على الخصوبة تكمن في تنفيذ عملية تنظير لتحويل مكان المبيض، من أجل إبعاده عن منطقة الإشعاع، بحيث لا تصل إليه الأشعة في حال استخدام جرعات قليلة من الأشعة. لهذه الوسيلة معدل نجاح 85% للنساء اللاتي كنّ في سن الـ40 أو أصغر، و كانت لديهن دورة تبييض منتظمة. مع ذلك، فهذه الوسيلة قد تسبب ضعف المبيض. 

توجد أساليب أُخرى لحفظ الخصوبة، مثل الخضوع لعملية جراحية تُستأصل فيها الخلايا السرطانية من الجسم، بالإضافة إلى علاج الهرمونات، حيث تُستعمل مواد تقلل من نشاط الهرمونات المنشطة للغدد التناسلية خلال العلاج الكيماوي، على أمل أن يقلّل من خطر فقدان الخصوبة. لكن توجد أبحاث متناقضة حول هذه الطريقة، لهذا فهو لا يحبذ استخدامها. يمكن أن تكون العمليات الجراحية خياراً، كعملية قطع عنق الرحم. مع أنها ممكن أن تكون حلّا، تشكل هذه العملية خطراً على الأم و الطفل في حال الحمل، و يجب على الولادة أن تكون من خلال عملية قيصرية. فبالرغم من  وجود علاجات و أساليب متعددة للحفاظ على الخصوبة، إلا أن معظمها يتسبب في تأخير العلاج أو حتى إبطاله. و لهذا السبب نجد أنه من المهم جداً توفير المعلومات الكافية لاختيار الخطة العلاجية الأنسب، و تحويل المريض للقسم المختص باكراً لتفادي تأجيل العلاج.

في حال تعرضت منطقة عنق الرحم لجرعات عالية من الأشعة، يحبذ حفظ المبيض بالتبريد، و من خلالها يُحتفظ بالمبيض في ثلاجات تصل درجات حرارتها إلى سالب مئة و ستة و تسعون درجة مئوية، حيث تتوقف جميع العمليات التي تحصل داخل الخلية، بما فيها العمليات التي تتعلق بموت الخلايا المبرمج، بمعنى أن الخلية سوف تتوقف عن العيش و لن تستطيع أن تتدمر، مما يسمح بحفظها لفتراتٍ طويلة. يحبذ استخدامها أيضاً عند العلاج بالكيماوي، حين تحتوي الخطة العلاجية على مواد تسبب نسبة عالية من تسمم المبيض. تكون هذه الوسيلة أكثر نجاحاً مع من هن بعمر ال37 أو أصغر، نظرا لوفرة بصيلات المبيض في تلك الفترة، حيث أن كثرة عدد بصيلات المبيض تزيد من نسبة نجاح العملية.

من الممكن أن تُحفظ خلايا الجنين، المبيض، و البويضات باستعمال تكنولوجيا الحفظ بالتبريد. في حال تجميد البويضات، تكون البويضات أكثرعرضة للضرر خلال عملية الاستئصال، و هذا يخفض نسب النجاح عند إعادة زراعتهم. أمّا تجميد الجنين ، فهو يعتمد على تكنولوجيا الإخصاب في المختبر (أطفال الأنابيب)، التي تُستعمل بعد حفظ الجنين لفترة معينة من الزمن بالتبريد. بالإضافة إلى ذلك، كلتا عمليتي حفظ خلايا الجنين و حفظ البويضات يحتجن إلى وقت إضافي، قد يصل إلى 6 أسابيع، مسببين بذلك تأخير علاج السرطان، وترك المجال للخلايا السرطانية لتتكاثر في تلك المدة. مع ذلك، أوجدت بعض الأبحاث طرقاً للتنازل عن تأخير العلاج، تُعرف بـ"إجرائات البدء العشوائي"، التي تتمثل باستعمال منشطات للمبيض تسمح بإجراء عملية الاستئصال في أقرب وقت ممكن. مع ذلك، فاستعمال منشطات للمبيض قد يؤدي إلى تكاثر الخلايا السرطانية.

أما حفظ نسيج المبيض بالتبريد، فيمكن الحصول عليه من خلال عملية تنظير. بعد فترة التبريد، يمكن استعمال النسيج المحفوظ و زراعته مرة أخرى بعد الانتهاء من علاج السرطان. استعمال نسيج المبيض بدل الجنين أو البويضات يحبّذ لاستغنائه عن الوقت الإضافي لتنشيط المبيض، ولا يحتاج إلى التبرع بالمني.

إن هذه الحلول لاتنطبق فقط على الدراسات و الأبحاث العلمية، فكثير منها يطبّق في المستشفيات. أحد الأمثلة على تطبيق مماثل هو نجاح موزة المطروشي في إنجاب أول طفل لها بعد خضوعها للعلاج الكيماوي، اللذي خضعت له لعلاج مرض الثلاسيميا. استطاعت موزة المطروشي تحقيق ذلك من خلال تجميد نسيج المبيض باستعمال تكنلوجيا الحفظ بالتبريد. لقد استؤصل النسيج عندما كانت موزة في التاسعة من العمر. 

لقد كانت هنالك 60 تجربة للولادة باستعمال هذه الطريقة، لكن كانت موزة الوحيدة التي نجحت في ذلك باستعمال نسيج استؤصل عندما كانت في صغرها. لقد تمت عملية التبريد في جامعة ليدز، أشرفت عليها البروفيسورة هيلين بيكتون. تمت زراعة النسيج مرة أخرى بعد 15 عام، و استعادت موزة نشاط هرموناتها الطبيعي. بعد ذلك، تم أخذ البيضات و استعمال تكنولوجيا الإخصاب في المختبر، و استطاعت إنجاب ابنها الأول. 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى استخدام الجسيمات النانونية لعلاج سرطان الرئة