صور الدماغ تظهر بؤرًا اهتزازية عالية التردد في لحظات الاستبصار

صور الدماغ تظهر بؤرًا اهتزازية عالية التردد في لحظات الاستبصار
صور الدماغ تظهر بؤرًا اهتزازية عالية التردد في لحظات الاستبصار

تمثِّل لحظات الاستبصار تلك اللحظات التي تصل فيها إلى حلّ لغز أو تفهم فيها نكتة أو تدرك المعنى الخفي للوحة فنية. ولعلَّ قصَّة أرخميدس التي تذكر أنَّه انطلق عاريًا إلى الشارع أثناء استحمامه وهو يهتف قائلًا «وجدتها!» (أو «يوريكا!» كما اشتهرت في الأدب) أفضل مثال على لحظات الاستبصار حين وصل إلى طريقة لقياس أحجام الأجسام بإغراقها في الماء. ومن المهم فهم حالات الاستبصار والإدراك لأنَّها أسهمت في كثير من الإنجازات البشرية العلمية.

على الرغم من أنَّ العلماء حاولوا دراسة الاستبصار منذ خمسينات القرن العشرين، لم يتمتَّع العلم بالأدوات المتطوّرة التي تدرس العلوم العصبية المعرفية قبل عشرة أعوام. وبدأت الأدوات المتقدّمة مثل: تخطيط الدماغ الكهربي وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي تُستخدَم لدراسة الآليَّات العصبية وراء لحظات الاستبصار الإبداعية.

ووفقًا لمؤسَّسة العلوم الوطنية، يصعب دراسة الآليَّة التي تتجلَّى من خلالها الاستبصارات، لكنَّ جون كونيوس وزميله مارك بيمان طوَّرا طريقة تتيح لهما دراسة الاستبصار مخبريًّا. وطُلِب من المتطوّعين حلّ بعض الألغاز أثناء تصوير أدمغتهم بتقنيتي تخطيط الدماغ الكهربي وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي. وشملت الألغاز ألعابًا عدَّةً، من بينها: لعبة الجناس (ترتيب الحروف) التي تنصُّ على تشكيل كلمات جديدة من مجموعة من الأحرف (مثل: LISTEN/SILENT.) وطُلِب من المتطوّعين أن يضغطوا زرًّا في اللحظة التي يصلون فيها إلى الحلّ، وعليهم توضيح إن كان وصولهم للحلّ استبصارًا مفاجئًا أو من خلال تفكير وتركيز عميقين. ولاحظ الباحثون نمطًا فريدًا من النشاط العصبي في حالة الاستبصار المفاجئ لدى المتطوّعين.

وقال كونيوس «لاحظنا بؤرًا تصدر اهتزازات عالية التردُّد في التلفيف الصدغي العلوي الأيمن في الدماغ.» إضافةً إلى هذه الملاحظة، تنبَّه الباحثون إلى تغيُّرات على تخطيط الدماغ الكهربي تشير إلى اهتزازات منخفضة التردُّد في القشرة البصرية اليمنى تسبق الاهتزازات الصدغية عالية التردُّد بنحو ثانية ونصف الثانية، وقد يعني ذلك تثبيطًا للنشاط العصبي في الساحة البصرية.

لماذا يُثبَّط النشاط العصبي في الساحة البصرية قبل لحظة الاستبصار؟ يقترح كونيوس أنَّ ذلك قد يعني خفض المعطيات البصرية لزيادة الإبداع. إذ أنَّ النشاط ذاته يمكن ملاحظته على التخطيط الكهربي لدى إغماض العينين، وهو ما يفعله الأشخاص أثناء بذل جهد ذهني. وفي المقابل، يرى كونيوس أنَّ الاهتزازات عالية التردُّد في التلفيف الصدغي العلوي الأيمن تمثِّل النشاط العصبي للاستبصار.

وقال «إنَّ النشاط الاهتزازي يبدأ مباشرة قبل أن يضغط المتطوّع الزر عند حلّ اللغز. ويحدث النشاط في المنطقة ذاتها التي أشارت دراسات سابقة إلى أنَّها ترتبط بعمليَّات المزج المفاهيمي. وقد تكون الاهتزازات عالية التردُّد هي الطريقة التي يتبعها الدماغ لمزامنة أنشطة المناطق المتعددة فيه لإنتاج صورة ذهنية واحدة أو إحساس إدراكي واحد.»



وتساءل كثيرون عن إمكانية تعزيز قدرات الاستبصار لحلّ المشكلات المختلفة. وقال كونيوس «كلُّنا نواجه لحظات استبصارية مميزة من حين إلى آخر. ويمكن الاستفادة من هذه اللحظات والتحكم بها، إذ أنَّ البشر يصلون إلى لحظات الاستبصار عادةً عندما يكونون في حالة مزاجية جيدة.»

ومن الملاحظات المهمّة التي وصل إليها فريق كونيوس: التنوُّع الشخصي في الاعتماد على الاستبصار في حلّ المشكلات والألغاز. ويسعى كونيوس حاليًّا إلى تفسير المنشأ العصبي لهذا التنوُّع الفردي، وقد يسهم ذلك في معرفة النواقل العصبية التي تؤدّي إلى الاستبصار أو إلى تحسينه. ويعتمد كونيوس على علوم الجينات وتصوير الدماغ وعلم النفس المعرفي لتحقيق أهداف بحثه.

وقال كونيوس أنَّ رجال الأعمال مهتمُّون بنتائج بحثه لاستخدامها لاحقًا لتحسين إبداعية موظَّفيهم وأدائهم المهني. وأدرِج كتاب كونيوس وبيمان (عامل يوريكا) في قائمة الكتب التي تجعلك أذكى في مجال الأعمال في مجلَّة بزنس إنسايدر للعام 2015.

ونبَّه كونيوس إلى أنَّ دولًا عديدةً أخرى تركِّز على أبحاث الاستبصار والإدراك والإبداع. وقال «لاحظنا أنَّ الصين تدعم أبحاث الاستبصار والإدراك لأنَّهم يعلمون أنَّها قد تسهم في حلول لمشكلات قديمة وتعزِّز الابتكار والإبداع.»

لكنَّ لحظات الاستبصار لا تنشأ من العدم. لا يوجد طريق مختصر للإبداع، ويتطلَّب الاستبصار والتفطُّن ربط مفاهيم عديدة تأتي من المعرفة والخبرة. وقال كونيوس «عليك التعمُّق في المجال الذي تريد أن تبدع فيه، وأداء واجبك الدراسي تجاهه.»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى العلماء يحددون الأشخاص الأكثر حسدا